فتح وحماس: مصالحة عالقة بين حكومة الوفاق الوطني وإجراء الانتخابات

مع كل توافق بين أقطاب متناثرة في الكيان الإسرائيلي كما حصل مؤخرا حيث تشكلت حكومة «لبيد- بينت» التي تضم 8 أحزاب صهيونية يمينية ويسارية متناقضة البرامج السياسية، يعيد الفلسطيني طرح السؤال نفسه، وتحديدا على طرفي الانقسام فتح وحماس، لماذا لا يتوافقان في ظل أن القواسم المشتركة التي تجمعهما كثيرة جدا؟
هذا السؤال الذي تحول إلى «أمنية الأمنيات» يعاد طرحه بفعل تحولات كثيرة تشهدها القضية الفلسطينية وتحديدا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على كل مناطق فلسطين التاريخية، فهل تتحقق أمنية الشارع الفلسطيني؟ وعلى أي أسس؟ وما عقبات ذلك التعاون والتفاهم؟
التحرك المصري على هذا الصعيد يبدو كبيرا للغاية وما جهود عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات المصرية، في غزة وفي رام الله قبل أيام إلا جزء من منظومة التحرك بهدف الخروج بتوافق فلسطيني، بدلا من أن يتحول ظهور شرعية جديدة (نضالية) لحركة حماس وقدرتها على جلب قبول دولي وسيلة من وسائل تعميق الانقسام والانفصال في ضوء تراجع شرعية السلطة في رام الله.
مدعاة التوافق وجود ملفات كبيرة تواجه القضية الفلسطينية أكبرها ضمان وقف إطلاق النار وإعمار القطاع، والمؤكد حاليا أن مصر ستدعو الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية إلى اجتماع قريب في القاهرة يليه اجتماع ثنائي بين «فتح» و»حماس» لبحث إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وفاق وطني ودخول «حماس» في منظمة التحرير. المراقبون يرون أن فرص تحقيق تقدم في هذه الحوارات ضعيفة جدا إلى جانب دخولنا في متاهة جديدة في كل جولة حوار فلسطيني-فلسطيني.
في حديث خاص مع الدكتور ناصر الدين الشاعر الوزير السابق في حكومة حماس ونائب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الفلسطينية العاشرة يرد على سؤال «حكومة الوفاق الوطني» بأن السؤال المركزي الذي يطرح لحظتها ما هو برنامجها؟ نحن نقبل بالشرعية الدولية رغم أن الكلمات فضفاضة، لكن ذلك يمكن ان يكون مقبولا لنا، لكن السؤال الثاني الذي يوجه لهذا المقترح هو: إلى متى؟ فهل ستكون حكومة مؤبدة أم ستعمل على التجهيز للانتخابات الفلسطينية في جميع مراحلها؟
ويتابع الشاعر، نحن نرى أن هناك استمرارا في عملية الهروب من الاستحقاق الرئيسي الذي يمكن أن يكون حلا للكثير من المشاكل الفلسطينية والوقت يمر، فلماذا علينا أن نمضى 3 سنوات أخرى كي نصل لحقيقة أن استحقاق الانتخابات الفلسطينية هو الأساس والذي يجب أن نقوم به بعد سنوات طويلة من توقفه؟
لقد كان الذهاب لتأجيل الانتخابات بحجة القدس وبدون توافق وطني أمرا سلبيا ومرفوضا، ونحن رفضناه ونعتبره مضرا بالقضية الفلسطينية ولا يعالج الانقسام. ويتابع الشاعر: «عمليا ليس لدينا مانع على حكومة وفاق وطني لكن ضمن برنامج محدد على أن تكون حكومة تجهيز للانتخابات وفق فترة محددة وملفها الرئيسي الذهاب للانتخابات».
يتوافق القيادي في حركة فتح والوزير السابق والسياسي نبيل عمرو مع الشاعر في هذا الرأي، لكن يقدم وقفا أكثر جذرية في رفضه لفكرة حكومة الوفاق الوطني، «فهذا ليس حلا» الحل من وجه نظر نبيل عمرو هو أن تذهب كل الأطراف إلى انتخابات فلسطينية شاملة بحيث يأخذ كل طرف حجمه الحقيقي في الشارع الفلسطيني، فلا يمكن أن تدار الشعوب وتحديدا الشعوب المناضلة والمضحية بطريقة الاتفاقيات الثنائية أو التوازنات الإقليمية والدولية. يجب أن تجرى الانتخابات بغض النظر عن الصعاب واختراعها وأن يتم التسليم بالنجاح أو النتائج.
وعن الحل الذي يطرحه محمود عباس بصفته رئيس حركة فتح المرتبطة بحكومة الوفاق الوطني فيؤكد عمرو أنها إعادة لأقطاب الانقسام للواجهة، حيث ستفرز نفس القوى السابقة التي أطالت عمر الانقسام، وهي لن تغير النظام السياسي ولن تجدده، المصالحات فشلت طوال 20 سنة ونحن بحاجة إلى الانتخابات التي كان واضحا مقدار توق الشارع الفلسطيني لها.
ويرى عمرو أن كل ما جرى من أمور خلال الشهرين المنصرمين لهما علاقة بخطأ تأجيل الانتخابات، لو لم يحدث التأجيل لما وصلنا إلى هذه الحالة من الانسداد في الأفق السياسي، كان يمكن إجراء انتخابات التحدي بالقدس المحتلة ومن ثم استكمال مسار تشكيل شرعيات قانونية ودستورية جديدة.
وعن السبيل لتحقيق استحقاق إجراء الانتخابات في ضوء أن جميع الأطراف فقدت شرعيتها القانونية يرى عمرو أن الضغوط يجب أن تمارس على السلطة وهو الخيار الوحيد المتاح والذي يكفل بحل عقد الواقع الفلسطيني وفقدان الجميع لمصادر شرعياته. على كل الأطراف أن تضغط ولا تقبل بغير هذا الاستحقاق.
ويؤكد الشاعر، الوزير السابق في حكومة حماس، أنه من دون انتخابات سيكون السؤال: ما هي آلية التمثيل السياسي؟ فالانتخابات أمر لا بديل عنه اليوم ولا يجب ان نخاف من هذا الخيار.
وتابع: «كان لدينا توافقات مشتركة مع فتح قبل ذلك، مثلا أن لا تحقق حماس أو فتح أي أغلبية ساحقة وهذا أمر يزيل مخاوف فتح من أي خسارة كبيرة، حيث طرحنا سابقا فكرة ألا يقدم أي حزب قائمة أكثر من 50 في المئة من نسبة المقاعد. نحن منفتحون على ذلك. لكن مشكلتنا أن هناك قضايا نبدأ فيها واتفاقات نضع خطوطها العريضة ولا تصل حتى النهاية».
ويرى الشاعر أن مستقبل القضية الفلسطينية أكبر من أي مصالح فصائلية محددة وآنية، «نحن نريد الخلاص من الاحتلال وليس تحقيق هدف مرحلي بالتوافق مع حركة فتح، نريد أن نسير بطريق البحث عن القواسم المشتركة وهي موجودة فعليا، والاجتهاد السياسي عليه أن ينصب في كيفية التداخل في البرامج (سياسي ومقاوم) وهذا أمر منطقي وممكن ويحتاج لرؤية إبداعية».
ويؤكد الشاعر أن التجربة السياسية التي قامت عليها السلطة خلال 30 سنة أثبتت فشلها، «فالكيان الإسرائيلي لم يتنازل عن شيء ونحن أصبحنا ندور في حلقة مفرغة، وبالمقابل ما حصل مؤخرا يؤكد أن الفعل المقاوم على الأرض سواء في غزة أو الضفة أو القدس أو فلسطين 48 أعاد للفعل السياسي أهميته وأصبحت القيادة في رام الله مكانا يحج إليه كل الأطراف والجهات الدولية. وهذا يمنحنا تصورا عن الفعل القادر على تحريك المياه الراكدة».
ويضيف الشاعر «هنا تحديدا نرى بوضوح ما يمكن أن يحرك عملية سلام متوقفة من سنوات، ونرى من خلال ذلك أن فتح تحتاج لحماس، بنفس مقدار حاجة حماس لفتح، هناك علاقة ما أساسية ويجب ان يتم الانتباه لها. فالسلطة لا تمتلك أوراقا سياسية للضغط والتأثير، في حين المقاومة تمتلك بدورها هذه الأدوات. كما أن السلطة في رام الله تمتلك علاقات وشرعية دولية مفيدة لحماس، وما علينا فعله هو تبادل الأدوار وخدمة بعضنا البعض عبر عملية نضالية تدمج بين السياسي والفعل المقاوم».
ويختم الشاعر حديثه بسؤالين: هل نحن على استعداد لعملية تبادل الأدوار تلك؟ هل القيادات (لدى الطرفين) مستعدة لهذا الاستحقاق الجديد الذي تفرضه تطورات القضية الفلسطينية واستعادة وهجها؟

Latest Posts