صحيفة عبرية: إسرائيل بعد “حرب غزة”.. عودة إلى نقطة البداية أم تغيير قواعد اللعب؟

إطلاق رشقة الصواريخ نحو القدس، التي قادت إلى حملة “حارس الأسوار”، كانت أكثر بكثير من مجرد خطوة عسكرية مبادر إليها؛ فقد كانت خرقاً فظاً وواعياً للتسوية التي كانت على مدى نحو سنة ونصف في قطاع غزة، وشكلت العمود الفقري لما يمكن تسميته “الاستراتيجية الإسرائيلية” في هذه الساحة.

لم يقع التصعيد بعد تدهور أمني وضائقة مدنية في القطاع، مثلما حصل في حالة “الجرف الصامد”. العكس هو الصحيح: فالمواجهة الحالية بدأت بعد تحسن متواصل في الواقع في قطاع غزة، وبعد أن نفذت إسرائيل بادرات طيبة كثيرة استهدفت ضمان الاستقرار المدني في المنطقة، بدءاً بإصدار تصاريح لخروج التجار عبر تشجيع التصدير من القطاع، وانتهاء بتوسيع مجال الصيد، ومنح مساعدة واسعة للقضاء على كورونا.

إن بدء حماس للمعركة، متذرعة بالعمل الإسرائيلي في القدس، يدل على الشكل الذي تنظر فيه الحركة إلى التسوية: تفاهمات عمومية ومرنة يمكنها أن تخرج منها ويمكنها أن تعود إليها وفقاً لقراراتها ومصالحها. أما في الجانب الإسرائيلي، فكان هناك حرص أكبر على الحفاظ على التسوية التي وصفت كوسيلة لضمان هدوء طويل المدى في القطاع.

انطوى فتح المعركة على خطأ في تقدير حماس لرد إسرائيل. فقد استعدت الحركة لجولة من عدة أيام، ولكنها علقت في حملة جبت منها ثمناً باهظاً أكثر مما توقعت. وفي سياق التسوية، قدرت حماس بأن إسرائيل تخشى ضعضعتها، وأنه بعد رد رمزي وعقاب مؤقت سيكون ممكناً العودة إلى نقطة البداية بل وحتى استخلاص تنازلات مدنية أخرى. أما الآن، مع نهاية المعركة، فتقف إسرائيل أمام معضلة عسيرة: هل تعود إلى نقطة البداية أم تغير قواعد اللعب. تعدّ التسوية بثمارها المدنية ذخراً استراتيجياً في نظر حماس، تساعدها على توفير احتياجات الجمهور الغزي، وبذلك الحفاظ على استقرار سلطوي. والعودة السريعة إلى الظروف التي كانت قائمة حتى نشوب الحملة ستؤكد في وعي حماس بأن الثمن العام الذي جبي منها على بدء العنف ليس باهظاً، وأن إلغاء أو تجميد التسوية كفيلان بأن يعدا شطباً لإنجاز استراتيجي عظيم الأهمية لحماس. إلى جانب الضرر الذي ألحقته إسرائيل بالحركة، فهذا يعدّ عنصراً حرجاً في محاولة إعادة الردع الإسرائيلي تجاه حماس، وإيضاح الثمن الباهظ الذي دفعته على محاولة تغيير معادلة العمل.

نوصي إسرائيل بألا تعود إلى التسوية القائمة، واتباع بديلين: الأول- بلورة تسوية جديدة تملي فيها إسرائيل شروطاً كانت حتى الآن مرنة تجاهها، وعلى رأسها موضوع الأسرى والمفقودين. وإسرائيل مطالبة بتوضيح أن ليس في نيتها أن تكون مرنة وأنها لا تتأثر بتهديدات حماس وبإيمانها أن غياب التسوية سيؤدي إلى تدهور إقليمي يؤثر على الوضع الأمني في القطاع.

البديل الثاني هو عدم بلورة أي تسوية أو تفاهمات مع حماس: عدم إلزام الحركة بشيء، ولكن ألا نكون مقيدين بأي قيد، وبذلك نبقي حرية العمل التي تسمح بضرب البنى التحتية العسكرية لحماس ولكبار مسؤولي المنظمة في كل فرصة. ويمكن بل ومرغوب فيه العمل على بادرات طيبة مدنية ولكن ليس كجزء من استراتيجية واسعة بل في نقاط زمنية وفي ظروف تبدو لإسرائيل مناسبة. في ضوء الطبيعة غير الملزمة التي تنظر فيها حماس للتسوية، يتعين على إسرائيل أيضاً أن تتبنى نهجاً مشابهاً.

بقلم: ميخائيل ميلشتاين
رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان في جامعة تل أبيب
يديعوت 27/5/2021

Latest Posts