نيويورك تايمز: بعد حرب غزة هناك “لحظة كيسنجر” وعلى بايدن استغلالها لتحقيق السلام

كتب توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” قائلا إن الرئيس جوزيف بايدن يمكنه الفوز بجائزة نوبل للسلام لو لعب أوراقه جيدا في الشرق الأوسط.
ذلك أن اللاعبين الثلاثة في النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني عانوا من صدمات مؤلمة في العام الماضي.

ويعرفون في عمق أعماقهم أن جولة جديدة من القتال، كما شاهدنا في الأسبوعين الماضيين قد تطلق العنان لتداعيات كارثية. وبدأ بالإشارة إلى ما قاله ليون تروتسكي “ربما لم تكن مهتما بالحرب ولكن الحرب تهتم بك”، وأعاد صياغة المقولة مخاطبا بايدن: “ربما لم تكن مهتما بعملية صناعة السلام في الشرق الأوسط ولكن صناعة السلام في الشرق الأوسط مهتمة بك”.

وقال إن وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عقد أول اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل بعدما كانوا جميعا يترنحون وعرضة للخطر نتيجة لحرب عام 1973. وعلموا جميعا أنه يجب التغيير.

رغم القصف الذي لا يرحم على غزة لم تتخل أي دولة من هذه الدول عن التطبيع مع إسرائيل.

واليوم لو نظرت عن كثب لرأيت لحظة مشابهة تتشكل في أعقاب الحرب الأخيرة بين حماس وإسرائيل. فقد تعرض رئيس السلطة الوطنية لضربة قوية عندما استطاعت إدارة دونالد ترامب دفع الإمارات العربية والبحرين والسودان والمغرب إلى توقيع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل بدون انتظار سلام فلسطيني- إسرائيلي. وكانت الرسالة واضحة لعباس: أنت في وضع سيئ وفاسد وغير فعال ونحن الدول العربية لن نسمح لك بعد اليوم أن يكون لك فيتو على علاقاتنا مع إسرائيل، يوما سعيدا. ورغم القصف الذي لا يرحم على غزة لم تتخل أي دولة من هذه الدول عن التطبيع مع إسرائيل.
لكن إسرائيل تعرضت لصدمة أيضا، فقد فوجئت إسرائيل باختيار حماس إطلاق الصواريخ على القدس، أي الدعوة للحرب، وفوجئ البعض بالصواريخ طويلة المدى التي بنتها حماس تحت الأرض وظلت تطلقها رغم القصف الجوي الإسرائيلي المكثف. ولكن إسرائيل صعقت من هذه الحقيقة: فحماس وعبر أفعالها استطاعت توريط إسرائيل في نزاع على خمس جبهات مع سكانها العرب، وهذا أمر مخيف. وعلى مدى أيام عدة في الأسبوع الماضي وجد الجيش والشرطة نفسيهما في مواجهة مع المتظاهرين الفلسطينيين في الضفة الغربية ومع الفلسطينيين الغاضبين في القدس الشرقية والصواريخ التي أطلقتها الجماعات الفلسطينية المتشددة من جنوب لبنان وصواريخ حماس من غزة والأكثر خطرا هو شغب الغوغاء بين العرب الإسرائيليين واليهود. واستطاعت إسرائيل السيطرة على كل هذا، ولكن لو عاد العنف مرة أخرى فمن الصعب تخيل الضغط على الجيش والشرطة والاقتصاد. ولم تواجه إسرائيل حربا على عدة جبهات منذ عام 1948.

هذه الحرب مع حماس كشفت وفاقمت ضعف إسرائيل أمام الرأي العام العالمي.

ويقول فريدمان إن إسرائيل وجدت هذه المرة الكثير من تعاطف الرأي العالمي والدعم لكن إلى متى؟ فقد كشفت هذه الحرب مع حماس وفاقمت ضعف إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. وكان استخدام إسرائيل القوة الجوية المتقدمة مهما كان تبريره ودقته سببا في إطلاق مجموعة صور وأشرطة فيديو في عالم منصات التواصل الاجتماعي أشعلت حماس ونشطت نقاد إسرائيل حول العالم وكشفت عن تصاعد اليسار التقدمي وحتى الشباب اليهود الذين نفروا من سياسات بنيامين نتنياهو المتطرفة واستعداده للتخلي عن الأعراف الديمقراطية من أجل مواصلة احتلال الضفة الغربية. وكتب جوناثان فريدلاند مقالا في الأسبوع الماضي بصحيفة “الغارديان” أشار فيه إلى أن الناشطين من اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا باتوا يتعاملون مع النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ليس كنزاع بين حركتين قوميتين ولكنه “موضوع يتعلق بالعدالة العرقية. واللافتات التي رفعت في تظاهرات لندن الأسبوع الماضي كتب عليها: فلسطين لا تستطيع التنفس وحياة الفلسطينيين مهمة”.
وقال إن الكثير من طلاب الجامعات اليهود في أمريكا إما غير مستعدين أو غير قادرين أو خائفين من الوقوف في قاعة الدراسة للدفاع عن إسرائيل. وأخبر المشرعون الديمقراطيون الكاتب أنهم هوجموا على تويتر وفيسبوك لمجرد اقتراحهم أن إسرائيل لها حق الدفاع عن النفس.

مضيفا أن السد انفجر. ولم يشعر بالدهشة عندما قرأ ما قاله سفير نتنياهو في واشنطن المتقاعد رون ديرمر إن على إسرائيل تركيز طاقتها للتواصل مع الإنجيليين الأمريكيين المتعاطفين وليس اليهود الذين أصبحوا وبشكل مخيب من بين نقاد إسرائيل.

وقال فريدمان إنه في حالة خسرت إسرائيل الجيل المقبل من الليبراليين الأمريكيين بمن فيهم اليهود الليبراليون فسيؤدي ذلك إلى ضرر سياسي لن يستطيع كل الدعم الإنجيلي مواجهته.
وأضاف أن حماس في اليوم التالي لوقف إطلاق النار أعلنت عن النصر، ولكن نقاشا حدث في اليوم التالي لإعلان النصر بين أصحاب المحلات في غزة والأرامل والأطباء والذين يبحثون عن أنقاض بيوتهم ومفاده معارضة لحماس التي أعلنت عن حرب وسط الوباء وتساؤلات عمن سيعمر غزة بعد الحرب. ولو كنت مكان حماس فلن أفرح بأصوات اليسار الناقدة لإسرائيل والدول العربية التي جاءت للنجدة، وأن إدارة بايدن والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين أعطت إسرائيل الوقت الكافي لكي توجه ضربة قاصمة لحماس. ويجب أن تقلق من أمر آخر، فكلما وضعت نفسها كطليعة للقضية الفلسطينية كلما كشفت عن وجهها الحقيقي، والتي وصلت إلى السلطة في 2007 بعد طرد منافستها حركة فتح.

ويزعم الكاتب أن حماس كانت تستطيع تحويل غزة بعد خروج إسرائيل عام 2005 إلى منطقة مزدهرة. ولهذا السبب فلن تحصل حماس على علامة نجاح كما حصلت عليها من اليسار، فهي تقاتل نتنياهو. وينقل عن فيكتور فريدمان الناشط الأكاديمي قوله “ربما كانت هذه “لحظة كيسنجر” مثل عام 1973، فقد فاجأت حماس إسرائيل كما فعلت مصر”. ورغم ما يقال فليس هناك منتصر ولكن حاجة للتغيير. وقال إن نتنياهو أراد أن يهين حماس بدون عملية برية ولكن بايدن أوقفه قبل تحقيق هذا، مما يعني أن هناك فتحة كما حدث عام 1973. والفرق هنا أن كيسنجر تعامل مع دول ومسؤولين مثل أنور السادات وغولدا مائير وحافظ الأسد. وبالتأكيد فما بدأه كيسنجر في 1973 أكمله جيمي كارتر في كامب ديفيد. ولكن ما يجمع نتنياهو وعباس وقادة حماس هو أنهم لا يخاطرون بمسيرتهم السياسية أو حياتهم من أجل تسوية سلمية للحرب على نفس الأرض.

الرسالة لبايدن هي: قد تكون مهتما بالصين لكن الشرق الأوسط مهتم بك.. ألا تريد أن تنخرط في الشرق الأوسط، فهذه لحظة كيسنجر ولن ألومك لو لم تفعل، ولكني أحذرك أن الوضع لن يتحسن بنفسه.

ورغم شكوكه بمنظور السلام لكنه لا يشك بالضرر الذي تعرض له كل طرف في الحرب، من الصواريخ الدقيقة إلى حملة المقاطعة الدولية والبيوت المدمرة التي لا يريد أي طرف دولي المساهمة في إعمارها مما يعني زيادة الألم.

ومن هنا فالرسالة لبايدن هي: قد تكون مهتما بالصين لكن الشرق الأوسط مهتم بك. فقد هندست اتفاق وقف إطلاق النار، ألا تريد أن تنخرط في الشرق الأوسط، فهذه لحظة كيسنجر ولن ألومك لو لم تفعل، ولكني أحذرك أن الوضع لن يتحسن بنفسه.

Latest Posts