”حارس الأسوار” يفجر جدلا واسعا في إسرائيل.. بين دعوات للحسم وأخرى للترميم والمصالحة

واصل قادة إسرائيل التأكيد أن “حماس” تلقت ضربة شديدة جدا وستؤدي إلى نهاية المعركة وتعزيز الردع الإسرائيلي وفي المقابل ترفض أوساط إسرائيلية هذه الرواية الرسمية فيما اختلفت اجتهادات المعلقين وقراءات المحللين واستنتاجاتهم وتوصياتهم بين استخدام المزيد من القوة وبين المصالحة الحقيقية مع الفلسطينيين.

وهاجم رئيس حزب “يمينا” نفتالي بينيت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على أدائه خلال الحرب بالقول إنه لا يذكر فترة ضعف كهذه الفترة، حكومة لم تؤد مهامها وانعدام الإدارة وقال إن هذه الفضيحة قومية. وأضاف بينيت في منشوره “نتنياهو يعين أشخاصا متوسطي القدرات، والذين يعينون أشخاصا مثلهم. مسار اتخاذ القرارات يملأه الاعوجاج، توجهه الحسابات الشخصية والسياسية”، متهما نتنياهو ببث أوهام حول شخصيته القيادية للتستر على هذا الفشل وأن “كل من يجرؤ على توجيه نقد له يهاجم بشدة”.

وقال بينيت إن قوة الردع الإسرائيلية موجودة في الحضيض، أكثر من أي وقت في تاريخها، وتواجه “الإرهابيين في قطاع غزة، والعصابات المسلحة في إسرائيل” متهما الوزراء بالانشغال بالسياسة والهروب في اللحظات الصعبة. وحاول بينيت مجددا تصوير نفسه كداعٍ للوحدة والسياسي المسؤول موجها كلامه لجميع الأطراف في الخارطة السياسية للتوحد ضد عدو مشترك “لن أيأس من تذكيرنا جميعا حول هوية العدو الحقيقي”، وتابع “العدو ليس نتنياهو وليس اليسار. العدو هو حماس الذي يسعى لإبادتنا”. وتبعه بهذا الاتهام رئيس حزب “أمل جديد” المنشق عن “الليكود” النائب غدعون ساعر الذي قال إن إسرائيل باتت محاطة بتهديدات أشد خطورة من كل الجهات في فترة حكم نتنياهو المستمرة منذ 2009 على التوالي.

ضربة حماس
ويوضح نائب رئيس معهد دارسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب ايتي بارون أن “حماس” تلقت ضربة قاسية، لكن الجمهور في إسرائيل محبط من استمرار إطلاق الصواريخ، ومن عجز الجيش عن منع ذلك، ومن عدم تحقيق انتصار إسرائيلي واضح وقاطع، موضحا أنه في الاستديوهات التلفزيونية المفتوحة اعتُبر كل إطلاق جديد لصواريخ “حماس” علامة على إخفاق الجيش في ضرب الحركة منوها أن وتيرة الأحداث في هذه العملية كانت أسرع مما كانت عليه في المواجهات السابقة، من هنا أيضا الشعور المعروف بالمرارة الذي سارع هذه المرة إلى الظهور.

اختلفت اجتهادات المعلقين وقراءات المحللين واستنتاجاتهم وتوصياتهم بين استخدام المزيد من القوة وبين المصالحة الحقيقية مع الفلسطينيين

ويعتبر أن هذا التناقض المحبط هو حصيلة ثلاث مفاجآت شهدها الإسرائيليون خلال أيام العملية: كان هناك أيضا مفاجآت (صغيرة) لها علاقة بعمليات “حماس” (البدء بالعملية بحد ذاته، إطلاق الصواريخ على القدس، والقصف الكثيف على منطقة المركز). لكن المفاجآت الثلاث الأساسية كالعادة لا تزال هي نفسها: اكتشاف الإسرائيليين أن حكومتهم تختار (مجددا) ردع “حماس” بدلا من إخضاعها؛ العمليات الهجومية للجيش الإسرائيلي غير قادرة على وقف إطلاق الصواريخ رغم قوتها الهائلة؛ والصعوبة التي يواجهها الجيش في تفسير وتجسيد الإنجازات الحقيقية التي حققها خلال أيام العملية، موضحا أنه إلى جانب هذا الإحباط المعين الذي يتميز به الجمهور الإسرائيلي، فإن هذه المفاجآت هي وليدة سياسة إخفاء متعمدة تطبق منذ أعوام طويلة، مقرونة بفشل مستمر للقيادتين السياسية والعسكرية في الشرح للجمهور الاستراتيجيا الإسرائيلية والخصائص الحالية للمواجهات العسكرية.

صورة انتصار بدل انتصار
ويرى بارون أن إنجازات “حماس” –إطلاق الصواريخ، صفارات الإنذار، إصابة المنازل وسقوط قتلى- كانت واضحة ومباشرة فيما تبدو أهمية إنجازات الجيش الإسرائيلي غير ملموسة وأقل وضوحا. ويتابع “عندما نربط هذه الفجوة بالاعتراف المتزايد بعدم القدرة على وقف إطلاق الصواريخ نحصل على نتيجة كئيبة: ببساطة، لم يشعر الجمهور بنجاح الجيش الذي اعتمد على فكرة ردع “حماس” عن خوض مواجهة مقبلة، بينما يريد الإسرائيليون انتصارا في هذه المواجهة”.

ويقول إن عملية “حارس الأسوار” دارت حول بعدين مختلفين: في الأول تهاجم “حماس” الجبهة الداخلية بكميات من الصواريخ لم تشهدها من قبل؛ وفي الثاني تهاجم إسرائيل “حماس” في غزة بقوة ودقة أكبر من العمليات السابقة لكن عمليا توجد علاقة فضفاضة بين البعدين.

ويتابع “بهذا المعنى يبدو أن القيادتين السياسية والعسكرية فوجئتا أيضا خلال العملية. فقد اكتشفتا مجددا أن التطلع إلى تحقيق حسم واضح وقاطع في حرب خاطفة لا يزال يطبع تفكير الجمهور الإسرائيلي والنتائج التي ينتظرها من المواجهات العسكرية. وهذا هو أحد أسباب إحباط الجمهور الإسرائيلي وزاد فيه الحديث في الاستديوهات في القنوات المختلفة، الذي منح تفضيلا واضحا للاهتمام بالقصف المستمر ووجد صعوبة في تفسير إنجازات الجيش. من هنا يعكس التطلع إلى اغتيال شخصية معروفة في قيادة “حماس” الرغبة في صورة انتصار، لكن ثمة شكا في أن نجاح مثل هذه العملية سيغير الصورة الأساسية للوضع”.

إسرائيل تصل إلى مفترق طرق في غزة
وتقول المعلقة البارزة في موقع “مونيتور” مازال معلم إنه على عكس الجولات السابقة للقتال ضد حماس، هذه المرة، كان هناك اتفاق شبه عالمي بين المعلقين الإسرائيليين والخبراء العسكريين والجمهور والسياسيين على أن سياسة إسرائيل تجاه عدوها يجب أن تتطور. وتقول أيضا إن نتنياهو معروف بـ”السيد الأمن” لكنه في الأجواء الحالية، مع إصابة العديد من المباني بصواريخ حماس، أصبحت علامته التجارية نقطة ضعف سياسية.

وتتابع “يحاول خصوم نتنياهو تقديم بدائل لسياسته في غزة. يجادل البعض بأن إسرائيل يجب أن تقوي السلطة الفلسطينية بينما يجادل آخرون بأن الضربات على غزة يجب أن تستمر”. واستذكرت دعوة رئيس المعارضة يائير لبيد لبناء بنى تحتية في غزة يكون لديها ما تخسره كما حصل في لبنان وفي المواجهة مع حزب الله. كما استذكرت معلم تحذيرات وانتقادات رئيس حزب “الأمل الجديد” المنشق عن “الليكود” غدعون ساعر بشدة الهدنة وغرد بقوله إن وقف القتال ضد حماس من جانب واحد ودون استعادة الجنود والمدنيين الإسرائيليين المحتجزين في القطاع سيوجه ضربة قاسية للردع الإسرائيلي ضد حماس وغيرها وسيكون إخفاقا دبلوماسيا ستدفع إسرائيل ثمنه في المستقبل.

يتفق الخبراء العسكريون الإسرائيليون على أن الطريقة الوحيدة لإسقاط حماس هي احتلال القطاع

وتتابع “يتفق الخبراء العسكريون الإسرائيليون على أن الطريقة الوحيدة لإسقاط حماس هي احتلال القطاع. ومع ذلك، لا يوجد سياسي رئيسي تقريبا يؤيد مثل هذا الإجراء بسبب الثمن الباهظ الذي قد يشمل خسائر فادحة للجنود الإسرائيليين ثم الاضطرار إلى حكم أكثر من مليوني شخص في غزة”.

وتذكر بأنه كل بضع سنوات، تخوض إسرائيل حملات عسكرية ضد حماس مع خسائر كبيرة في ظل ظروف أقل مواتاة من أي وقت مضى فيما تتزايد قوة حماس. وتنبه لتكرار المواجهات العسكرية وتتزايد الخطورة وتتفق مع خبراء وسياسيين رؤيتهم بأن هذا التصعيد الأخير في غزة هو دعوة لإيقاظ إسرائيل بأن شيئا مهما قد تغير وأن هناك حاجة لسياسات جديدة وتضيف “إذا تم الإعلان عن الانتخابات الخامسة، ستأخذ القضية الفلسطينية مرة أخرى جدول الأعمال السياسي”.

منجزات حماس
وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت“ على لسان مراسلها العسكري يوسي يهوشواع، فإن قائد جيش الاحتلال أفيف كوخافي، سيوصي أمام المستوى السياسي بهجمات شديدة ردا على أي إطلاق نار مستقبلي من غزة. كما نقل عن كوخافي توصيته للحكومة بعدم تحويل المساعدات المالية للقطاع عن طريق حماس كي لا تستغلها للمزيد من التحصينات العسكرية، معتبرا أن مثل هذه التوصيات ستصعب على نتنياهو مواصلة سياسة الاحتواء والتهدئة وإضعاف السلطة وتعزيز قوة حماس”.

أما معلق الشؤون الاستخباراتية في الصحيفة دكتور رونين بيرغمان فيقدر أن حماس ستحتاج لسنة أو سنة ونصف كي تعيد بناء قدرتها لصنع أسلحة وأنها غير قادرة في هذه المرحلة على تجديد المواجهة العسكرية مشيرا إلى أنها سجلت “إنجازا واحدا يصعب جدا قياسه، وهو إعادة الموضوع الفلسطيني مجددا إلى الأجندة الدولية وتوجيه ضربة شديدة إلى صورة إسرائيل، ولليهود أيضا، في العالم” مؤكدا أنها محتاجة لسنوات كثيرة لترميم الضرر.

وبخلاف اتجاهات المستوى العسكري يشكك بيرغمان بجاهزية الحكومة بشن حملة عسكرية واسعة بعد شهور على غزة. ويرجح زميله المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس“ عاموس هارئيل أن قائد حماس في غزة يحيى سنوار تغير ويقود خطا جديدا بعدما حاول قيادة خط براغماتي أكثر. وقال إن الاستخبارات العسكرية تقلل من أهمية قائد كتائب القسام محمد الضيف في عملية اتخاذ القرارات، رغم التهديد النادر الذي أطلقه عشية إطلاق القذائف الصاروخية على القدس مقابل قيادة يحيى سنوار.

بخلاف تصريحات القادة العسكريين والسياسيين في إسرائيل يرى هارئيل أن مشاهد الدمار داخل القطاع لن تلجم حماس ولن تكسر روحها

بخلاف تصريحات القادة العسكريين والسياسيين في إسرائيل يرى هارئيل أن مشاهد الدمار داخل القطاع لن تلجم حماس ولن تكسر روحها مشددا على أنها تخوض معركة أيديولوجية مليئة بالضحايا طوال عقود ضد إسرائيل. في معرض إشارته للتهديدات الراهنة والمستقبلية يشير هارئيل لسعي حماس من أجل تكتل الجبهات – غزة، الضفة، القدس، داخل إسرائيل – في معركة واحدة، متواصلة، على غرار الانتفاضة الثانية.

كما كشف هارئيل عن خلافات داخل جهاز المخابرات حيال حماس، وأن رئيسها ناداف أرغمان، “شكك طوال سنين بادعاء الاستخبارات العسكرية بأن السنوار أصبح براغماتيا. وصد أرغمان بشكل دائم توصيات الجيش الإسرائيلي بمنح تسهيلات واسعة لغزة، وبضمنها زيادة عدد العمال الداخلين إلى إسرائيل. هارئيل أيضا لا يستخدم “هدنة” ويحذر بالقول إنه رغم وقف إطلاق النار، “إلا أن الميدان لا يزال يغلي”، في القدس على خلفية قضية حي الشيخ جراح وسعي المستوطنين إلى الاستيلاء على بيوت فلسطينيين “والصراع على السيطرة” على الحرم القدسي وتابع “وسيكون سهلا نسبيا إعادة إشعال هذه النار وفي الداخل سيضاعف الشاباك من اهتمامه بما يجري لدى المجتمع العربي في إسرائيل”.

لن يكون هناك سلام بدون عملية مصالحة
من جهته يؤكد أستاذ العلاقات الدولية في مركز الدراسات الدولية في جامعة نيويورك دكتور ألون بن مئيــر أنه لن يكون هناك سلام بدون عملية مصالحة وأنه لا ينبغي لأحد أن يتوهم أنه بمجرد إقرار وقف إطلاق النار ينبغي أو يمكن لإسرائيل والفلسطينيين التفاوض على اتفاقية سلام. ويقول إنه بالنظر إلى الكراهية العميقة وانعدام الثقة المستمرة منذ عقود، يجب أن تسبق المفاوضات لتحقيق سلام دائم عملية مصالحة ويضيف “ففي حين أن اتفاق السلام القائم على حل الدولتين يجب أن يكون النتيجة في نهاية المطاف، لا يمكن التوصل إلى اتفاق ما لم يسبقه عملية مصالحة لمدة خمس سنوات على الأقل للتخفيف من الكراهية الراسخة وانعدام الثقة بين الطرفين. ومثل هذه العملية قد تتألف من إجراءات متعددة تعمل في وقت واحد على مستويات حكومة إلى حكومة وشعب إلى شعب والتي يمكن أن تسرع وتعزز تنفيذ عملية المصالحة”.

شروط المصالحة
وبرأيه هناك عدة شروط مسبقة يجب على إسرائيل الموافقة عليها للسماح للمصالحة بالمضي قدما دون عوائق، وتشمل: عدم ضم شبر واحد إضافي من الأرض الفلسطينية، عدم توسيع المستوطنات خارج حدودها المحددة والحفاظ على الوضع الراهن للقدس، وقف الرواية العامة اللاذعة لكل طرف ضد الآخر: يجب على القادة الإسرائيليين والفلسطينيين وقف رواياتهم العامة اللاذعة ضد بعضهم البعض.

ويقول في سياق قراءته إنه في الواقع، وبدلا من إعداد الجمهور لحتمية السلام والانخراط في حوار عام بناء، قام الطرفان حتى الآن بتسميم المناخ السياسي وتحريض كل طرف على الآخر وخلق تصور بأن السلام هو وهم وأن الاختلافات بينهما لا يمكن التوفيق بينها ببساطة. كما يدعو لإقامة علاقة اقتصادية، تعديل الكتب المدرسية كي تعكس بشكل موضوعي رواية تاريخية أكثر دقة وأقل تحيزا، عدم اتخاذ أي إجراء استفزازي كاللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، الحفاظ على التعاون الأمني، تعزيز التعاون في المستقبل، الزيارات المتبادلة، معتبرا أن نشاط النساء الإسرائيليات والفلسطينيات يعد جزءا مهما جدا من عملية المصالحة منوها لحيوية المناسبات الرياضية المشتركة علاوة على حوار بين الطلاب الجامعيين وإقامة المعارض الفنية وتشجيع وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية على الإبلاغ عن التطورات الإيجابية بين الجانبين وكل ذلك بدعم أمريكي وأوروبي”.

ويتابع ضمن توصياته “يجب أن يستعيد الطرفان رشدهما ويدركا أنه يجب عليهما إيجاد طريقة للتعايش السلمي، لأن البديل هو المزيد من الحروب وإراقة الدماء. إن تحقيق اتفاق دائم سيكون مستحيلا بالنظر إلى الأجواء العدائية الحالية والمفعمة بالكراهية وانعدام الثقة، ولذا تصبح عملية المصالحة أولا أمرا محوريا لتحقيق سلام دائم. وغير ذلك، فإن أي محادثات سلام جديدة لن تكون سوى تمرين في العبث”.

حماس لم تحقق شيئا “سوى تدمير غزة”
في المقابل يزعم الباحث في مركز بيغن السادات للدراسات أنه رغم إطلاق أكثر من 3500 صاروخ على المدن والبلدات والقرى الإسرائيلية، أكثر مما حدث خلال الصراع الذي استمر 51 يوما في عام 2014، فقد تعرضت البنية التحتية العسكرية لحماس لأضرار جسيمة من شأنها أن تؤدي إلى انتكاسة عدد من المنظمات الإرهابية”.

في المقابل يرى زميله في “بيغن – السادات“ الميجور جنرال في جيش الاحتياط غيرشون هاكوهين أن حرب غزة انتهت وبقيت مشكلة حماس وأن علاقات إسرائيل مع حماس ستختبر في الأشهر المقبلة أولا وقبل كل شيء من خلال تعزيز سيادتها في القدس وهذا يجعل خطر اندلاع حريق هائل مرتفعا للغاية.

ويقول إنه مع نهاية الحرب سيستخلص الجيش الدروس العملياتية فيما ستحتاج إسرائيل إلى إعادة فحص مدى قدرتها المستمرة على العيش تحت سيف حماس المسلط. ويدعو هاكوهين لتهنئة الجيش الإسرائيلي على إنجازاته العملياتية في جولة القتال الحالية، كما ينبغي أن يكون المجتمع الإسرائيلي على صموده وتماسكه الذي تجاوز التوترات والانقسامات المستوطنة. ويستنتج من رؤيته هذه أنه “لا بد أن يلعب هذا العرض الرائع للصمود الوطني دورا مهما في تعامل الحكومة مع مشكلة غزة في الأشهر والسنوات المقبلة”.

Latest Posts