قلق إسرائيلي غير رسمي من اختلاط الحسابات والاعتبارات في إدارة الأزمة مع إيران

تدير إسرائيل بصورة موازية ثلاث عمليات هجومية ضد إيران في المرحلة الراهنة: الصراع ضد المشروع النووي الذي يشمل حسب منشورات أجنبية اغتيالات وهجمات سايبر وتخريب في المنشآت نفسها؛ المعركة الجوية بمعظمها، ضد زيادة القوة العسكرية وتهريب السلاح في سوريا وفي لبنان؛ والثالثة العمليات البحرية التي اصيبت فيها سفن تقوم بتهريب النفط، وأحيانا السلاح، إلى سوريا. ونتجت عن ​الجهد الأول خلال السنين نتائج جيدة بالنسبة لإسرائيل كما أشار الجنرال احتياط غيورا آيلاند في مقابلة مع الإذاعة العبرية العامة. منوها أن تقدير الاستخبارات العسكرية في 2001 كان يقول إن إيران ستتوصل إلى القنبلة خلال أربع سنوات وقد مرت 20 سنة وهذه النبوءة لم تتحقق وذلك بفعل عمليات إسرائيلية، فيما كانت عمليات الرد الإيرانية ضئيلة جدا، وعلى الأغلب فشلت تماما. وفي المرحلة الراهنة وقعت ثلاث هجمات في أسبوع تقريبا: الانفجار في سفينة القيادة التابعة لحرس الثورة الإيراني في البحر الأحمر، قصف جوي لارسالية سلاح في منطقة دمشق والانفجار في منشأة نطنز. هذه العمليات تنضم إلى الضربات السابقة التي تعرضت لها طهران خلال أقل من سنة، وعلى رأسها اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورئيس المشروع النووي العسكري، العالم محسن فخري زادة (الأولى كانت أمريكية والثانية نسبت لإسرائيل).

معنى التزامن

وتزامنت هذه العمليات الثلاث مع استئناف الدول العظمى المحادثات مع إيران في فيينا حول اتفاق نووي جديد، وحول انضمام الولايات المتحدة، في الوقت الذي فيه جاء وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن في زيارة عمل في إسرائيل. فعليا الهجوم البحري والانفجار في المنشأة سبقت كل واحدة منها ببضع ساعات افتتاح جلسة المحادثات ومجيء اوستن، ويدل التزامن على أن اختيار هذه المواعيد لم يكن صدفيا، واستهدف نقل رسالة حادة ومباشرة لإيران، وربما الأهم من ذلك للأمريكيين. في حين أن التراكم قد يؤدي إلى تفاقم الوضع من ناحية إيران التي لم تسارع بشكل عام إلى الرد على الهجمات السابقة، فإن الزعيم الروحي الأعلى، علي خامنئي، قام بتقييد الانتقام في السنتين الأخيرتين، وفضل في تلك الأشهر التركيز على الهدف النهائي وهو رفع العقوبات، وفي المقابل عودة كاملة إلى الاتفاق النووي، الذي لا يفرض أي قيود صارمة أكثر على إيران مما هو موجود في اتفاق 2015 الأصلي. وفي هذه المرة انضم إلى الصورة عامل آخر، إذ تنازلت إسرائيل كليا عن سياسة الغموض حيث قدم رجال استخبارات غير معروفين إحاطات تفصيلية عن طبيعة العمليات ومن قام بتنفيذها. هذه هي النقطة التي فيها اختلف غانتس مع نتنياهو، فقد وجه الأول انتقادا علنيا بشأن التسريبات وطلب التحقيق فيها وسط تلميحات بأن الثاني يقف خلف التسريبات.

حسابات داخلية وضيقة

يتوافق عدد كبير من المراقبين والمحللين على أن تصعيد التوتر مع إيران من قبل إسرائيل لا يرمي فقط للمساس باحتمالات العودة للاتفاق النووي بينها وبين الدول العظمى من العام 2015 إنما هناك اعتبارات وحسابات إسرائيلية داخلية وضيقة ترتبط برغبة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالبقاء في الحكم وزيادة احتمالاته بالنجاة من محاكمته بتهم فساد خطيرة. وينسجم هذا التوافق مع استراتيجية نتنياهو التقليدية في ترهيب الإسرائيليين وخلق أجواء طوارئ وتهديد تعينه على إقناعهم بالاصطفاف خلف قيادته. في المرة السابقة استغل جائحة كورونا وفرض إغلاقا عاما على البلاد وأجبر بيني غانتس على التحالف معه في حكومة طوارئ وهذه المرة عاد نتنياهو للتلويح بفزاعة إيران ليقول للإسرائيليين «لا يوجد لديكم قائد مثلي يحميكم» من كابوس طهران وقنبلتها النووية. ويرى المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل أن الأسابيع الأولى من محاكمة نتنياهو التي خصصت لسماع أدلة كشفت درجة المخاطرة التي يتعرض لها رئيس الحكومة كلما طالت المحاكمة، مؤكدا وجود حاجة ملحة لديه في تشكيل ائتلاف جديد برئاسته ربما يساعده في إعاقة الإجراءات الجنائية ضده. ويتابع هارئيل جازما «يجب أن يتمتع المرء بقدر مدهش من السذاجة أو أن يكون تابعا غبيا كي يعتقد بأن هذا الجانب غائب تماما عن اعتبارات رئيس الحكومة في الساحة الأمنية. وخلق وضع طوارئ عسكري، هو أسلوب مؤكد كي يتم بواسطته إحداث هزات سياسية. إذا لم يكن غانتس فربما المناهضون له من اليمين، بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غبير ونواب القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية)». ويقول إنه «ربما أيضا أن طموحات نتنياهو محدودة أكثر، فإذا فشل في محاولة تشكيل حكومة، على الأقل سيستعين بوضع الطوارئ الأمني من أجل أن يسحب هذه الامكانية أيضا من خصومه يائير لبيد ونفتالي بينيت ويمدد فترة ولاية الحكومة الانتقالية برئاسته» ويضيف «نتنياهو يعمل الآن مثل وكيل للفوضى. لأن الفوضى بالضبط تخدمه».

في خدمة نتنياهو

ويرى هارئيل محذرا أن المنشورات الكثيرة تخدم الصورة العامة لنتنياهو كقائد للخط الهجومي غير المتصالح ضد إيران، ولكن من غير المستبعد أنهم أيضا يدفعون إيران إلى نقطة ترى فيها نفسها ملزمة بالرد بصورة أكثر شدة، بهدف الحفاظ على ميزان ردع معين أمام إسرائيل. ويتابع «الانتقام محتمل، وجهاز الأمن يستعد لهذا السيناريو من بداية الأسبوع الحالي، يمكن أن يشمل إلى جانب المس بسفن يمتلكها إسرائيليون، أيضا هجوم سايبر على مواقع حساسة للبنى التحتية، وحتى سيناريو متطرف، محاولة شن هجوم دقيق بواسطة طائرات بدون طيار. الإيرانيون سبق لهم وعملوا ضد مواقع شركة ارامكو في السعودية في خريف 2019». ويقول إنه في الخلفية لم يتضح بعد سؤال متى عرفت الولايات المتحدة عن مهاجمة السفينة الإيرانية والانفجار في نطنز لافتا أن اوستن الذي سئل عن ذلك أثناء زيارته في إسرائيل رفض الإجابة على ذلك، لكنه أكد في المقابل على التزام إدارة بايدن بحل سلمي للمشكلة النووية.

معضلة استراتيجية

العقيد احتياط اودي افينطال، من معهد السياسات والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتزليا يرى أن المفاوضات بين إيران والدول العظمى تكشف موقف ضعف لواشنطن ازاء الشعور بالالحاحية الذي تبثه بشأن الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق. ويرى أيضا أن إسرائيل تجد نفسها اليوم في معضلة استراتيجية: هل تقود إلى مواجهة علنية مع إدارة بايدن مثلما تصرف نتنياهو أمام إدارة أوباما في 2015 أو تحاول تعميق التعاون معها في محاولة لتأمين مصالحها الاستراتيجية في المفاوضات؟ وافينطال غير متفائل، وحسب رؤيته فإن إسرائيل تبدو كمن اختارت بديل مقاربة المواجهة، بالتأكيد إذا كانت تقف من وراء العمليات المنسوبة لها ضد إيران. وقد حذر من أن هذه المقاربة، يمكن أن تتضح كنسخة ثانية للخطأ الذي حدث قبل ست سنوات عندما لم يمنع خط المواجهة الذي اتبعه نتنياهو الأمريكيين من التوقيع على الاتفاق. ويتابع «الآن أيضا، الدول العظمى الأخرى تؤيد موقف بايدن. في هذه الظروف إسرائيل يمكن أن تجد نفسها في عزلة والتهديد النووي سيتحول من تحد عالمي إلى مشكلة إسرائيلية».

رئيس الموساد السابق إفرايم هاليفي

من جهته يرى الرئيس الأسبق للموساد إفرايم هاليفي أن الولايات المتحدة وإيران ستنظران بجدية في هذه القضية المطروحة وفي النهاية سيكون هناك استئناف للحوار بينهما لكن من السابق لأوانه القول ما إذا كان سيوافق الإيرانيون على الاقتراح الجديد من الولايات المتحدة أو الانتظار حتى ما بعد انتخاباتهم الرئاسية هذا الصيف. ويعتقد أنه حول كل هذا يجب أن تكون إسرائيل حذرة للغاية في كيفية تصرفها تجاه الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، ومن الواضح بالنسبة له أن السياسات في كثير من القضايا التي تتعلق بإسرائيل تختلف عن تلك التي سبقتها. ويضيف هاليفي ردا على سؤال صحيفة «جروزاليم بوست»: «بما أن هذه قضية بين الولايات المتحدة وإيران ، فمن الأفضل لإسرائيل أن تراقب الوضع عن كثب والامتناع عن القيام بخطوة كما فعلنا في الماضي والتي لم تكن ناجحة. يجب دراسة الدرس المستفاد مما حدث في عام 2015 (عندما تحدث نتنياهو أمام الكونغرس في مواجهة وجهاً لوجه مع الرئيس أوباما بشأن إيران) قبل الاندفاع ومحاولة تكرار أداء كهذا».
يعتقد رئيس الموساد الحالي يوسي كوهين أن إسرائيل يمكن أن تمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية من خلال العمليات السبرانية والسرية المستمرة مثل ما حدث خلال العام الماضي أو نحو ذلك من ولايته. هل توافق على ذلك؟
على هذا السؤال قال هاليفي: «كان هناك صراع مستمر بين إسرائيل وإيران. أحيانًا تصل الفقاعات إلى السطح، ولكنها في أغلب الأحيان تكون جوفية. أعتقد أن الصراع الجوفي سيستمر طالما لا يوجد شيء يحل محله. في الأسابيع الأخيرة، هناك جانب جديد وصل إلى المعرفة العامة، وهو نقل النفط في ناقلات إيرانية إلى سوريا. إذا كان على المرء أن يصدق صحيفة وول ستريت جورنال، فعليه أن يفترض أن إسرائيل كانت نشطة للغاية في هذا المجال. وبدأ الإيرانيون في الرد بحذر على سفينتين إسرائيليتين. ما إذا كانت ستبقى سياسة قابلة للتطبيق هو أمر لا يمكنني تقييمه في الوقت الحالي، لكن علينا أن نأخذ في الاعتبار إعلان الاتفاقية الإيرانية الصينية، التي يجب تضمينها في أي حسابات إسرائيلية مستقبلية».

Latest Posts